محمد بن جعفر الكتاني
372
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
العارف باللّه تعالى ، أبو عبد اللّه سيدي محمد - المدعو : بوطربوش ؛ لكونه كان يجعل على رأسه طربوشا لا يزيد عليه - ابن الشريف البركة سيدي عبد الحفيظ الدباغ الحسني الإدريسي . كان - رحمه اللّه - من أكابر العارفين ، وأماثل الصالحين ، تشهد بولايته أحواله ، وتحكم بعرفانيته أقواله وأفعاله ، إذ كان - رضي اللّه عنه - أميا ، وكان مع ذلك يتكلم في حقائق التصوف وأسرار السنة والكتاب ؛ فيأتي في ذلك بما يدهش العقول ويحير الألباب ، وكان نجما يهتدى به في حل المشكلات ، وكشف حجاب المعوصات والمعضلات ، يتكلم عليها بكلام أهل الفتح الرباني ، والنور الإيقاني . وقد حلاه في " الإشراف " في ترجمة رهطه الشرفاء الدباغيين بقوله : « صالح ناسك ، مشهود له بالعناية الربانية ، والفتوحات العرفانية » . ه . وكان - رضي اللّه عنه - كثير الرؤية والاجتماع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم في اليقظة والمنام ، وكذا بمن عداه من الصحابة والأولياء الكرام ، حدثني شيخنا العلامة البركة مولاي عبد اللّه ابن العلامة الأستاذ مولاي إدريس البكراوي الحسني قال : حدثني الشريف سيدي محمد بوطربوش الدباغ قال : « كنت آتي والدك سيدي إدريس عند هبوط الظهر بظهر الصومعة من مسجد القرويين لأسمع منه تلاوة القرآن الذي كان يتلوه هناك مع الطلبة في هذا الوقت ، فأتيت يوما من قعر المسجد المذكور من ناحية باب الخلوة ، فلما كنت عند الثريا الكبيرة ؛ رأيت هناك النبي صلّى اللّه عليه وسلم والخلفاء الأربعة وهم قاصدون نحو ظهر الصومعة المذكور » ، قال شيخنا المذكور : « فقلت له : أرأيتهم يقظة أو مناما ؟ » . قال : « يقظة » ، قال : « فقلت له : يا رسول اللّه ؛ أين تريد ؟ ! » . قال : « أريد أن أسمع القرآن من ولدي هذا » ، وأشار إلى سيدي إدريس بالناحية التي هو بها ، ثم قال عليه السلام وهو يستمع لقراءته ويسمعها : « هكذا أنزل علي » . وكان أيضا يصرح بولايته ، ويخبر عن عظيم رفعته ومكانته ، ويحدث بكثير من نعم اللّه عليه ، ويذكر شيئا [ 327 ] مما أكرمه به وأسداه إليه . حدثني شيخنا المذكور - أيضا - قال : « قلت له يوما وقد سمعت منه كلاما حسنا في معنى حديث كنا نتذاكر فيه : أأنت من الصالحين ؟ ، فقال لي : نعم ! ؛ فقلت له : أأعتقد ذلك وأجزم به ؟ ، فقال : نعم ؛ اعتقده واجزم به . أو كلاما هذا معناه . قال : ورأيته بعد وفاته على حالة حسنة شريفة ، ولبسة رفيعة منيفة ، لم أر مثلها قط ، فعلمت بذلك أنه كان من الأولياء ، وأنه من المحبوبين » . وكان - رضي اللّه عنه - أيضا يجتمع بسيدنا الخضر عليه السلام كثيرا ، وبمولانا إدريس الفاسي ، وكان يسأله عن كثير مما يعرض له من الأمور ؛ فيجيبه عنها بما يشفي الصدور ، من ذلك أن